سيد قطب
649
في ظلال القرآن
« وَالَّذِينَ آمَنُوا ، وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ ، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وَما أَلَتْناهُمْ « 1 » مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ » . . ومن تساوي شطري النفس الواحدة في موقفهما من اللّه ، ومن تكريمه للإنسان ، كان ذلك التكريم للمرأة ، وتلك المساواة في حقوق الأجر والثواب عند اللّه ، وفي حقوق التملك والإرث ، وفي استقلال الشخصية المدنية . . التي تحدثنا عنها في الصفحات السابقة من هذا الدرس . ومن أهمية التقاء شطري النفس الواحدة ، لإنشاء مؤسسة الأسرة . ومن ضخامة تبعة هذه المؤسسة أولا : في توفير السكن والطمأنينة والستر والإحصان للنفس بشطريها ، وثانيا : في إمداد المجتمع الإنساني بعوامل الامتداد والترقي . . . كانت تلك التنظيمات الدقيقة المحكمة التي تتناول كل جزئية من شؤون هذه المؤسسة . . وقد احتوت هذه السورة جانبا من هذه التنظيمات هو الذي استعرضناه في الصفحات السابقة من أول هذا الجزء ؛ تكملة لما استعرضناه منها في الجزء الرابع . . واحتوت سورة البقرة جانبا آخر ، هو الذي استعرضناه في الجزء الثاني . واحتوت سور أخرى من القرآن ، وعلى الأخص سورة النور في الجزء الثامن عشر وسورة الأحزاب في الجزءين الحادي والعشرين والثاني والعشرين وسورة الطلاق وسورة التحريم في الجزء الثامن والعشرين . . ومواضع أخرى متفرقة في السور ، جوانب أخرى تؤلف دستورا كاملا شاملا دقيقا لنظام هذه المؤسسة الإنسانية ؛ وتدل بكثرتها وتنوعها ودقتها وشمولها ، على مدى الأهمية التي يعقدها المنهج الإسلامي للحياة الإنسانية على مؤسسة الأسرة الخطيرة ! ونرجو أن يكون قارئ هذه الصفحة على ذكر مما سبق في صفحات هذا الجزء نفسه ؛ عن طفولة الطفل الإنساني ، وطولها ، وحاجته في خلالها إلى بيئة تحميه أولا حتى يستطيع أن يكسب رزقه للمعاش ؛ وأهم من هذا أن تؤهله ، بالتربية ، إلى وظيفته الاجتماعية ؛ والنهوض بنصيبه في ترقية المجتمع الإنساني ، وتركه خيرا مما تسلمه ، حين جاء إليه ! فهذا الكلام ذو أهمية خاصة في بيان قيمة مؤسسة الأسرة ؛ ونظرة المنهج الإسلامي إلى وظائفها ، والغاية منها ؛ واهتمامه بصيانتها ، وحياطتها من كل عوامل التدمير من قريب ومن بعيد . . وفي ظل هذه الإشارات المجملة إلى طبيعة نظرة الإسلام للأسرة وأهميتها ؛ ومدى حرصه على توفير ضمانات البقاء والاستقرار والهدوء في جوها . . إلى جانب ما أوردناه من تكريم هذا المنهج للمرأة ؛ ومنحها استقلال الشخصية واحترامها ؛ والحقوق التي أنشأها لها إنشاء - لا محاباة لذاتها ولكن لتحقيق أهدافه الكبرى من تكريم الإنسان كله ورفع الحياة الإنسانية - نستطيع أن نتحدث عن النص الأخير في هذا الدرس ، الذي قدمنا للحديث عنه بهذا الإيضاح : إن هذا النص - في سبيل تنظيم المؤسسة الزوجية وتوضيح الاختصاصات التنظيمية فيها لمنع الاحتكاك فيها بين أفرادها ، بردهم جميعا إلى حكم اللّه لا حكم الهوى والانفعالات والشخصيات - يحدد أن القوامة في هذه المؤسسة للرجل ؛ ويذكر من أسباب هذه القوامة : تفضيل اللّه للرجل بمقومات القوامة ، وما تتطلبه من خصائص ودربة ، و . . تكليف الرجل الإنفاق على المؤسسة . وبناء على إعطاء القوامة للرجل ، يحدد كذلك اختصاصات هذه القوامة في صيانة المؤسسة من التفسخ ؛ وحمايتها من النزوات العارضة ؛ وطريقة علاج هذه النزوات - حين تعرض - في حدود مرسومة - وأخيرا يبين الإجراءات - الخارجية - التي تتخذ عندما تفشل
--> ( 1 ) نقصناهم .